الراغب الأصفهاني
139
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الفضائل الجسمية قد استهان « 1 » قوم بذلك وقالوا كفى بالمرء أن يكون صحيح البدن بريئا من الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل العقلية ، وليس كذلك فالبدن للنفس بمنزلة الآلة للصانع ، والسفينة للربان ، اللتين « 2 » بهما صار صانعا وربانا . وجميع أجزاء البدن بالقول المجمل أربعة : العظام التي تجري للبدن مجرى الألواح للسفينة والعصب الذي يجري له مجرى الرباط الذي تشد به الألواح . واللحم الذي يجري له مجرى الحشو للرباطات . والجلد الذي يجري مجرى الغشاء لجميعها . فإذا اعتدلت هذه الأربعة بأن يعتدل فيها الأربع القوى ، وهي الجاذبة ، والممسكة ، والهاضمة ، والدافعة سمي ذلك الصحة ، ولولا صحة البدن لما حصل الانتفاع به . وأما القوة فهي جودة تركيب هذه الأركان الأربعة وهي العظام والعصب واللحم والجلد ، وما يتبعها . وبها يصلح البدن للسعي والتصرف في أمور الدنيا والآخرة . وأما الجمال فنوعان : أحدهما امتداد القامة الذي يكون عن اعتدال الحرارة الغريزية فإن الحرارة إذا حصلت دفعت أجزاء الجسم إلى العلو ، كالنبات إذا نجم ، كلما كان أطلب للعلو في منبته كان أشرف في جنسه . ، وللاعتبار بذلك استعمل في كل ما جاد في جنسه العالي والفائق ، وكثر المدح بطول القامة نحو قول القائل :
--> ( 1 ) في ط « اشتهر قوم » وهي ضد المعنى المراد . ( 2 ) ط « اللذين » مع أن المعبر عنهما مؤنثان .